يزداد تعداد المسلمين المقيمين في اليابان، إذ تشير بعض التقديرات إلى أنهم يبلغون حوالي 230 ألف شخص، أي “واحد من كل 500 شخص”. ومع ذلك، لا يزال الانطباع السائد في اليابان أن الإسلام دين من منطقة بعيدة. هذا ما يؤكده مسلم ياباني كرّس سنوات طويلة من حياته لنشر الفهم الصحيح للإسلام شيموياما شيغيرو
وُلد عام 1949 في محافظة أوكاياما، ويعمل منذ 2010 في مسجد طوكيو – المركز الثقافي التركي كمسؤول عن العلاقات العامة والنشر. درس العلوم السياسية في جامعة واسيدا، وشارك في بعثة استكشاف نهر النيل في السودان. بعد عمله في دار نشر، ساهم في تأسيس المركز الإسلامي الياباني، ولديه خبرة واسعة في التغطية الصحفية للمناطق الإسلامية، بما في ذلك رحلة الحج إلى مكة وحركة الجبهة الوطنية لتحرير مورو في الفلبين. أشرف على تحرير ونشر العديد من الكتب والمجلات الإسلامية مثل مجلة السلام وسلسلة مقدمة في الإسلام وكتاب الأوقاف – تقاليدها وأعمالها

في حي سكني هادئ بمحافظة شيبويا بطوكيو، يوجد مبنى يلفت الأنظار بشكل خاص. مئذنته العالية وقبته الكبيرة تميّزه بوضوح. هذا المبنى هو مسجد طوكيوكاميي وهو مسجد على الطراز العثماني التركي

يزور المسجد العديد من الأشخاص غير المسلمين أيضًا، حيث تقول الشابات غالبًا إن المبنى “مثالي لصور الإنستغرام”، ويحرصن على التقاط الصور ومشاركتها. كما توجد متاجر تبيع منتجات حاصلة على شهادة الحلال، أي أنها مطابقة لأحكام الشريعة الإسلامية، ما يجعل المكان يعج بالزوار
الاصطفاف في صفوف أفقية أثناء الصلاة يرسل رسالة مفادها أن جميع البشر إخوة أمام الله، ولا يجوز التمييز بينهم
تتردد هذه الكلمات داخل القبة المزخرفة بالزجاج الملون الجميل في مسجد طوكيو (Tokyo Camii) على لسان شيموياما شيغيرو المسلم الياباني المسؤول عن العلاقات العامة بالمسجد أمام طلاب مدرسة أوميا الشمالية العامة بمدينة سايتاما، الذين زاروا المسجد ضمن تحضيراتهم لرحلة تعليمية إلى دول مثل ماليزيا التي يكثر فيها المسلمون، يشرح شيموياما طقوس الصلاة الإسلامية وآدابها. يستثير اهتمام الطلاب من خلال ذكر أمثلة مألوفة من إبداع المسلمين، مثل الأرقام العربية ومبادئ الكاميرا.

بعد كسر الحواجز وكسر التوتر بين الطلاب، يبدأ في الحديث عن الخلفية التاريخية للإسلام وأفكاره الأساسية قال يوما شيباتا، المعلم الذي رافق الطلاب من المدرسة نفسها: يبدو أن انطباع الطلاب عن الإسلام قد تغيّر ويعود أسلوب شيموياما شيغيرو الثابت، الذي يركز على إثارة الاهتمام بالإسلام أولًا ومن ثم تعريف الناس به، إلى تجاربه الشخصية. رغبتي في نقل انطباعي الشخصي

عندما كان عمره 19 عامًا، انضم إلى نادي الاستكشاف بجامعة واسيدا، وزار السودان في أفريقيا كعضو في بعثة استكشاف حوض نهر النيل. لم تكن الخيام الحديثة والأسرة المحمولة التي جلبها من اليابان كافية للتكيف مع حرارة المنطقة، فاضطر إلى البحث عن مأوى في القرى المحلية. هناك اكتشف أن الكرم الذي لاقاه كان مستندًا إلى تعاليم الإسلام، فانهارت الصور النمطية السلبية التي كان يحملها سابقًا عن المسلمين، مثل أنهم “مخيفون” أو “متشددون”. عد عودته إلى اليابان، كلما ازداد معرفته بالإسلام، ازداد رغبته في نقله للآخرين، فاعتنق الإسلام عن عمر 27 عامًا. وقال: كنت أرغب في أن أنقل للناس في اليابان الانطباع العميق الذي شعرت به عند ملامستي لعالم الإسلام

وبينما كان يقرأ الكتب ويتمرن على الطقوس الجسدية مثل الصلاة والصوم، بدأت تظهر عليه تغييرات شخصية. وأضاف: الدين الذي كنت أكرهه إلى هذا الحد أصبح بالنسبة لي شيئًا رائعًا ينبع من داخلي. شعرت أن إيماني يقويني من الداخل

والشغف القوي الناتج عن هذه التجربة لم يتغير حتى الآن وهو في الخامسة والسبعين من عمره. ويقول: “لهذا السبب، ما زلت أمارس هذه الطقوس. أحاول باستمرار معرفة ما إذا كان بإمكاني أن أوصل الإسلام كدين عالمي إلى قلوب اليابانيين من خلال المحاولة والخطأ”.

وفقًا لدراسة البروفيسور الفخري هيروفومي تيندا من جامعة واسيدا والمتخصص في علم الاجتماع والمتابع لشؤون المسلمين في اليابان، يعيش حوالي 230 ألف مسلم في اليابان حتى عام 2020. ويعني ذلك أن واحدًا من كل 500 شخص في مسجد طوكيو ، ازدادت أيضًا مناسبات الاعتناق الإسلامي وحفلات الزواج. ومع ذلك، لا تنقطع الاستشارات حول القرار بالتحول إلى الإسلام بسبب الزواج من مسلم، إذ يتردد البعض بسبب التحامل والتمييز الاجتماعي من المحيطين بهم ويجيب دائمًا على هذه الاستشارات بالقول: إذا أحببت شخصًا واضطررت لأن تصبح مسلمًا من أجله، فافعل ذلك. أما إذا لم تتمكن من اتخاذ هذه الخطوة، فذلك لأنك تحمل تحيزات تجاه الإسلام. قبل أن تصبح مسلمًا، يجب عليك أولًا التخلص من هذه التحيزات داخلك
 رغم أن عدد المسلمين في اليابان في تزايد، يشير شيموياما شيغيرو إلى أنه منذ أحداث هجمات 11 سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة، ازدادت الانتقادات الموجهة للإسلام، ويعرب عن أسفه قائلاً: بسبب تأثير وسائل الإعلام الغربية المتحيزة، للأسف لم يتقدم فهم اليابانيين للإسلام بالشكل المطلوب.ولهذا السبب، يسعى جاهدًا في مختلف المنابر الإعلامية وغير الإعلامية إلى نشر الفهم الصحيح للإسلام والقضاء على التحيز والتمييز
أما عن الشريحة التي يعلق شيموياما شيغيرو آماله في مواجهة التحيز والتمييز هي الجيل الشاب من طلاب الجامعات والمدارس الثانوية. في عام2023، زار مسجد طوكيو خلال جولات تعليمية وتدريبية، 63 جامعة وحوالي 100 مدرسة ثانوية ويشعر شيموياما بالرضا حيال هذا التوجه، قائلاً: هناك ازدياد في أعداد الطلاب والمعلمين الذين يرغبون في معرفة العالم الإسلامي بشكل أعمق. إنهم بدأوا يدركون أنه بدون معرفة العالم الإسلامي لا يمكن فهم العالم ككل

يزداد عدد المسلمين على مستوى العالم كظاهرة عامة. وفقًا لتقديرات مركز بيو للأبحاث  التي صدرت في ديسمبر 2022، بلغ عدد سكان العالم حسب الدين في عام 2020المسيحيون: حوالي 2.38 مليار شخص (31.1٪ من سكان العالم) والمسلمون: حوالي 1.97 مليار شخص (24.9٪ من سكان العالم)
ومن المتوقع أنه بحلول عام2050 المسيحيون: حوالي 2.918 مليار شخص (31.4٪) والمسلمون: حوالي 2.761 مليار شخص (29.7٪) وبذلك سيقترب عدد المسلمين والمسيحيين من بعضهما البعض تقريبًا
كما أن عدد المسلمين في عام 2020 قُدّر في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بحوالي 381 مليون نسمة، بينما بلغ في منطقة آسيا والمحيط الهادئ حوالي 1.14 مليار نسمة بمعنى آخر، هناك عدد أكبر من المسلمين في آسيا والمحيط الهادئ مقارنة بالشرق الأوسط، مهد الإسلام

وقد شهد عدد الزوار المسلمين من هذه المنطقة إلى مسجد طوكيو خلال العقد الماضي زيادة كبيرة جدًا، ومن المتوقع أن يستمر هذا النمو في المستقبل
 م،  يقول شيموياما شيغيرو: سيصبح مسجد طوكيو  أكثر من مجرد مسجد، بل محورًا يلتقي فيه الناس من مختلف أنحاء آسيا”، مضيفًا أنه يتوقع أن تزداد أهمية المسجد كرمز لمركزية الدين الإسلامي كدين عالمي وذو طابع شامل. لا يُعرف بعد ما إذا كان الإسلام سيترسخ في اليابان، لكن شيموياما شيغيرو يؤكد على أهمية نشر الوعي حول الإسلام في اليابان، قائلاً: الجهل يولد التحيز، والتحيز يؤدي إلى التمييز. لذلك، من المهم أن يصبح اليابانيون فهماء جيدين للعالم الإسلامي وشركاء صادقين يسيرون معنا جنبًا إلى جنب. ومع ذلك، أنا لا أتوقع أن يصبحوا مسلمين. أريد فقط أن ينموا لديهم وجهة نظر تقول إن البشر متساوون مهما اختلفت مظاهرهم

مصدر الخبر