في خطوة تعكس حجم أزمة نقص العمالة التي تواجهها اليابان، بدأت شركات تشغيل الحافلات في مختلف أنحاء البلاد توسيع الاعتماد على السائقين الأجانب، مع تزايد العجز في أعداد السائقين اليابانيين وارتفاع الطلب على خدمات النقل بالتزامن مع انتعاش السياحة.
ومع دخول موسم سياحي جديد يشهد إقبالًا كبيرًا من الزوار، تجد شركات الحافلات نفسها أمام تحدٍ حقيقي للحفاظ على انتظام خدماتها، بعدما اضطرت بعض الشركات إلى تقليص عدد الرحلات وإلغاء بعض الخطوط بسبب النقص المتزايد في السائقين.
ولمواجهة هذه الأزمة، اتجهت شركات النقل إلى استقطاب كوادر أجنبية عبر تأشيرة “العمالة الماهرة المحددة”، التي أطلقتها الحكومة اليابانية قبل سنوات لسد النقص في القطاعات الحيوية. ويخضع المتقدمون لبرامج تدريب مكثفة تشمل تعلم قوانين المرور اليابانية، والحصول على رخص القيادة المحلية، إضافة إلى تدريبات لغوية تؤهلهم للتعامل مع الركاب في مختلف المواقف.
ومن بين هؤلاء، تبرز قصة الإندونيسية ماهاتمي ريسمارتانتي (27 عامًا)، التي وصلت إلى اليابان في سبتمبر الماضي، وبعد ستة أشهر من الدراسة والتدريب أصبحت سائقة حافلة محترفة لدى شركة Tokyu Bus، إحدى أكبر شركات تشغيل الحافلات في اليابان.
وتقول ماهاتمي إنها كانت تحلم منذ طفولتها بقيادة المركبات الكبيرة، وإن إعلان التوظيف في اليابان منحها فرصة لتحقيق هذا الحلم. ورغم نجاحها في اجتياز اختبارات القيادة، تؤكد أن اللغة اليابانية كانت التحدي الأصعب، خاصة عند التعامل مع الركاب في المواقف اليومية مثل مشكلات بطاقات الدفع أو الاستفسارات داخل الحافلة.
وتحرص الشركة على تدريب السائقين الأجانب ليس فقط على القيادة الآمنة، بل أيضًا على أساليب التواصل مع الركاب، لضمان تقديم خدمة تضاهي المعايير اليابانية المعروفة بالدقة والانضباط.
وتواجه شركة Tokyu Bus أزمة متصاعدة، إذ إن نحو 60% من سائقيها تجاوزوا الخمسين من العمر، بينما يقترب كثير منهم من سن التقاعد، ما يجعل تعويضهم أولوية ملحة. وتؤكد الإدارة أن النقص الحالي مرشح للتفاقم خلال السنوات المقبلة، وأن توظيف العمالة الأجنبية لم يعد خيارًا إضافيًا، بل أصبح ضرورة للحفاظ على استمرارية الخدمة.
وتشير تقديرات قطاع النقل إلى أن اليابان قد تواجه عجزًا يصل إلى نحو 30 ألف سائق حافلة خلال السنوات القادمة، وهو ما دفع شركات عديدة إلى تنظيم حملات توظيف، وتقديم مزايا مالية، بل وفتح الباب أمام أشخاص لا يمتلكون خبرة سابقة في قيادة الحافلات الكبيرة.
وبعد أشهر من التدريب، جلست ماهاتمي لأول مرة خلف عجلة القيادة بمفردها في شهر مارس الماضي، وأدارت ثماني رحلات كاملة دون أي مساعدة. وبين كل محطة وأخرى، كانت تردد العبارات اليابانية التي حفظتها خلال التدريب، وهي تسعى إلى تقديم خدمة آمنة ومريحة للركاب.
وتؤكد أنها لا ترى وظيفتها مجرد قيادة حافلة، بل مسؤولية تجاه كل راكب يصعد إليها، معربة عن أملها في أن تصبح سائقة ترسم الابتسامة على وجوه المسافرين.
وتكشف هذه التجربة عن تحول واضح في سوق العمل الياباني، حيث أصبحت العمالة الأجنبية تلعب دورًا متزايدًا في دعم القطاعات الأساسية، خاصة مع استمرار انخفاض عدد السكان وشيخوخة القوى العاملة. ويبدو أن مستقبل النقل العام في اليابان سيعتمد بدرجة أكبر على الكفاءات القادمة من الخارج، في وقت تسابق فيه الشركات الزمن للحفاظ على مستوى الخدمات التي يعتمد عليها ملايين السكان والسياح يوميًا.