قد لا يشعر المرء في حياته اليومية في اليابان بأن للدين مكانًا كبيرًا في حياة الناس، لكن في العالم هناك الملايين ممن يشكل الإيمان دعامتهم الأخلاقية والروحية. وحين نحاول النظر إلى ثقافة الآخرين بميزان معاييرنا الخاصة، سرعان ما يتحول الفهم إلى التباس. وقد عبّر الكاتب الياباني شِيبا ريوتارو عن ذلك بقوله إنّ “معرفة الآخر لا تتحقق إلا حين نمتلك الترف النبيل في افتراض أن البشر جميعاً متشابهون، لكن الاكتفاء بهذه النُبل وحدها يقود إلى الخطأ”. إنها خلاصة عميقة لطبيعة العلاقات بين البشر.
في السنوات الأخيرة، برزت في شبكات التواصل أصوات تُبدي مواقف سلبية من المسلمين الذين يعيشون في اليابان. تُثار الجدالات حول الطعام الحلال أو دفن الموتى على الطريقة الإسلامية، مترافقة مع شعارات من قبيل “هذا بلد اليابان” أو “عش كما يعيش أهل الدار”. والحقيقة أن الغالبية من المسلمين في اليابان تعيش بسلام، مندمجة في المجتمع، تعمل بجدّ وصمت، ونسبة الجريمة بينهم تكاد لا تُذكر. ومع ذلك، تظهر ردود أفعال رافضة تغذيها الأحكام المسبقة، وهو أمر لا يمكن التغاضي عنه.
يعلّمنا التاريخ أن الجهل بالدين والثقافة يلد الخوف ثم التمييز. وفي مجتمع علماني كاليابان، يصعب على الكثيرين إدراك الوظيفة اليومية التي يؤديها الدين في حياة البشر حول العالم. محاولات فهم الآخر بمعايير الذات محكومة بالفشل منذ البدء. لذلك ربما نحتاج، كما قال شيبا، إلى تلك “الحلاوة النبيلة”، غير أن الرقة وحدها لا تكفي لبلوغ الحقيقة؛ إذ لا بد من أن تمتزج بالصرامة والعقل.
ومن المثير أن كلمة 宗教 في اللغة اليابانية تحمل لدى كثيرين إيحاءات سلبية. فاستطلاع أُجري في إحدى الجامعات أظهر أن 110 من أصل 120 طالبًا ينظرون إلى الدين نظرة سلبية، معتبرين أن المتدين يبدو ضعيفًا لأنه “لا يستطيع العيش بلا إيمان”. وهذا يعكس فهماً للدين بوصفه تبعية لجماعة أو اعتماداً نفسياً، لا منظومة لمعنى الحياة.
أما في المفهوم الإسلامي، فكلمة دين (Dīn) ليست مجرد طقوس أو شعائر، بل نظام شامل للأخلاق والسلوك ينظّم حياة الإنسان كلها. هذا الفارق الجوهري في المعنى يُشكّل حاجزاً في طريق الفهم المتبادل.
حين يتحدث الكاتب عن “أصل الإسلام”، فهو يدعو إلى العودة إلى جوهر الرسالة كما تجلت في القرآن، مجردةً من زخارف السياسة والعادات، أي إلى الروح التي جعلت من الدين طريقة لفهم الإنسان وكرامته، لا مجرد ثقافة غريبة عن الآخر.
تشير دراسة أجراها البروفيسور الفخري هيروفومي تانادا في جامعة واسيدا إلى أن عدد المسلمين المقيمين في اليابان بلغ في نهاية عام 2024 نحو 420 ألف شخص، من بينهم حوالي 40 ألف ياباني مسلم، أي بنسبة لا تتجاوز 0.3% من السكان.
إنّ ما نحتاجه اليوم ليس تبادل المجاملات حول “التفاهم المتبادل” بين اليابانيين والمسلمين ، بل بناء مفهوم أعمق، يمكن أن نسميه “المعرفة المتبادلة”؛ أي إدراك الآخر بعقل واعٍ يستند إلى الفهم لا الانفعال. وهذا هو المدخل الحقيقي إلى مجتمع متعدد الثقافات بحق.
بلوغ هذا الهدف يتطلب من اليابانيين أن يتحرروا من النظرة التي ترى الدين “شأناً خاصاً أو غريباً”. فالإيمان، في جوهره، ليس انتماءً طائفياً، بل ميزان أخلاقي يوجه الإنسان نحو التهذيب واحترام الآخر. ومهما تكررت الدعوات إلى “التعايش”، ستظل خاوية ما لم تستند إلى فهم صادق لمعنى الإيمان ودوره في حياة الإنسان. إن تصحيح الفهم حول الإسلام هو أحد المقاييس التي تُظهر مدى نضج المجتمع الياباني واستعداده لاحتضان التعددية بحق.
نقلاً عن ترجمة الدكتور المؤمن عبد الله (أستاذ بقسم الدراسات الدولية ، جامعة توكاي)