تنتشر صورة شائعة عن الحياة الزوجية في اليابان، مفادها أن الزوجة قبل الزواج تكون هادئة ولطيفة، لكنها بعد الزواج وإنجاب الأطفال تتغير جذريًا، حتى يبدو للزوج أنه لم يعد صاحب القرار الأول داخل المنزل. وبالطبع، لا يمكن تعميم هذه الصورة على جميع النساء اليابانيات، غير أن هذه الفكرة لها جذور واقعية في بعض الأسر، وتستند إلى أسباب أعمق من مجرد نكتة متداولة.
قبل الزواج، يعيش الزوجان نمط حياة مختلفًا تمامًا؛ إذ يتوفر لهما الوقت للخروج معًا، والسفر، واتخاذ القرارات بحرية نسبية، دون أعباء كبيرة. غير أن قدوم الأطفال يفرض تحولًا جذريًا في نمط الحياة، حيث تمتلئ الأيام بسلسلة طويلة من الالتزامات: مواعيد المدرسة والحضانة، المصروفات، التسوق، الطهي، التنظيف، متابعة الأنشطة، وإنجاز المعاملات المختلفة. ومع مرور الوقت، يصبح الشخص الذي يتولى متابعة هذه التفاصيل اليومية هو الأقدر على إدارة شؤون المنزل.
في كثير من الأسر اليابانية، تكون الزوجة هي الأكثر اطلاعًا على تفاصيل حياة الأطفال والأسرة؛ فهي التي تعرف جداول المدرسة، واحتياجات الأبناء، ومواعيد الأنشطة، والمصروفات الشهرية، ومتطلبات المنزل. ومن ثم، حين يقترح الزوج قرارًا أو فكرة، قد تأتي الإجابة مبنية على معطيات دقيقة: «في ذلك اليوم لدينا التزام معين، والطفل لديه نشاط، والمصاريف هذا الشهر محددة». وهنا يدرك الزوج أن إدارة الأسرة لا تقتصر على العمل خارج المنزل أو توفير الدخل فحسب.
من هذا المنطلق، ينشأ الاعتقاد بأن الزوج يبدأ حياته وهو يرى نفسه «رأس الأسرة»، ثم يكتشف لاحقًا أن هناك من يدير التفاصيل اليومية بكفاءة أعلى. إلا أن هذا لا يعني بالضرورة أن الزوجة أصبحت مسيطرة، بل يعكس ببساطة حجم المسؤوليات التي تتحملها، وهو ما يمنح رأيها وزنًا أكبر في القرارات المتعلقة بالأسرة.
في المقابل، لا يمكن إغفال أن هناك عددًا متزايدًا من الرجال اليابانيين يشاركون بفاعلية في تربية الأبناء والأعمال المنزلية، خاصة بين الأجيال الشابة، مما يعكس تغيرًا تدريجيًا في توزيع الأدوار داخل الأسرة اليابانية.
والأهم من ذلك، أن الزواج وإنجاب الأطفال لا يغيران المرأة وحدها، بل يعيدان تشكيل العلاقة بأكملها. فالشريكان اللذان كانا يعيشان مرحلة مليئة بالترفيه والحرية، يصبحان مسؤولين عن أسرة متكاملة، ومع هذه المسؤولية تتبدل الطباع: قد تصبح الزوجة أكثر حزمًا، وقد يصبح الزوج أكثر هدوءًا، وقد يكتشف الطرفان أن الحياة الزوجية تختلف كثيرًا عن فترة التعارف.
وعليه، فإن القول بأن «المرأة اليابانية تتحول إلى شيطان بعد الزواج» ليس دقيقًا، بل الأقرب إلى الحقيقة أنها تتحول، في كثير من الحالات، إلى الطرف الأكثر دراية بتفاصيل الحياة اليومية للأسرة، الأمر الذي يجعل صوتها أكثر حضورًا وتأثيرًا.
وفي النهاية، لا يقتصر هذا التحول على المجتمع الياباني وحده، بل يظهر بدرجات متفاوتة في معظم المجتمعات. فعندما يدخل الأطفال حياة الزوجين، يتغير ميزان العلاقة، ويصبح التحدي الحقيقي في كيفية توزيع المسؤوليات والتفاهم بين الطرفين على إدارة شؤون الأسرة.
وهكذا، تبقى الحقيقة في منطقة وسطى: فالتغير لا يخص المرأة وحدها، ولا الرجل وحده، بل يشمل العلاقة برمتها في ظل واقع جديد تفرضه مسؤوليات الحياة الأسرية.
هل تتحول الزوجة في اليابان بعد الزواج إلى «شيطان»؟ قراءة واقعية خلف الصورة النمطية